http://elraees.com/index.php/mian/writers/item/2549
بقلم الكاتب والخبير الأمني:
مصطفى المليجي
بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية، والحرب الباردة، تروج الدول الكبرى لحرب الجيل الرابع، وهي حرب لا حديث فيها عن قوات نظامية أو نيران مدفعية أو طيران يقضي على قدرة أمة.
انتهى كل لك تماماً، خلال العشرين عاماً الماضية كما يقول خبراء الحرب في معهد الدراسات الاستراتيجية بأمريكا. وهذه الحرب هدفها إنهاك الدولة المستهدفة، وتآكلها ببطء حتى تصبح في حالة غيبوبة، عن طريق استقطاب بعض السياسيين والإعلاميين من أصحاب المواهب الضحلة لينعقوا أمام شاشات التلفاز ليل نهار ويرددون شعارات جوفاء عن حقوق الإنسان وعن الديمقراطية.
ومن ضمن أسلحة هذه الحرب جمع المعلومات عن التركيبة السكانية للإقليم المستهدف، وعن عاداته وتقاليده. وعن وضعه الاقتصادي والسياسي والتاريخي والجغرافي، وعن نزعاته العرقية، واستقطاب المثقفين والنشطاء واقتحام عقولهم، عن طريق إلحاقهم بمنظمات معترف بها دولياً، وتمويلها، والإنفاق عليها، وتدريب المنضمين إليها، بغرض تصفية الأجهزة الإدارية والأمنية بالدولة بطريقة منهجية مقصودة. وخاصة جهاز الشرطة، إذا كان قوياً ويمسك البلد بيد من حديد. وتستطيع الدولة المعتدية أن تواجه هذه المنظمات كما تشاء، وأن تقنعها بخطوات بطيئة ممنهجة بضرورة إسقاط النظام الحاكم، حتى ولو كان غير قمعي.
ويقول أحد خبراء الحرب، إذا فعلت هذا بطريقة جيدة، ولمدة كافية، وببطء كاف، وحميد (وباستخدام مواطني دولة العدو) فسيستقظ عدوك ميتاً.
وفي أغلب الأحيان تنجح هذه المنظمات في إحداث فتنة، وزرع الوقيعة بين الشعب وأجهزة الأمن، وتحفيز الناس لحرق منشآت الدولة، وسط حيرة الناس ودهشتهم، وقد شاهدنا من حرق المجمع العلمي بعد الثورة، ومعظمهم مسجلين خطر، وأرباب السوابق، ولا شأن لهم بأي فكر ثوري، ورأينا من يتوجهون بإلحاح إلى مبنى وزارة الداخلية لاقتحامه أيضاً بعد الثورة، ورأينا اتهامات توجه للسلطة القضائية، وعدواناً على قاعات المحاكم أثناء نظر الجلسات، أيضاً بعد الثورة، وشاهدنا الإعلاميين يروجون لفكرة تخريبية، وينطلقون منها في برامجهم وهو أنه ليس للدولة أن تستخدم أي وسيلة مقاومة عنيفة في مواجهة هذا النشاط الثوري السلمي.
إن هذا ليس نشاطاً ثورياً. بل عنف، وعدوان، وخروج على القانون، وشباب ضائع يلقون بالمولوتوف والحجارة على رجال الشرطة، ويقطعون الطرق، ويحملون معهم خرائط تفكيك الدولة المصرية.
هؤلاء الشباب هم "أداة حرب الجيل الرابع" غرضهم في النهاية إضعاف الشرطة، ونشر العنف والخراب، وتعطيل السياحة، ونفاد الاحتياطي المركزي، وسقوط الدولة، لتصبح مصر دولة فاشلة غير قادرة على حماية مواطنيها أو إدارة شئون البلاد. وهنا تدخل الدولة الراعية (أي المستعمرة) وبالطبع ستجد من يرحب بها.
وقد خاب هذا المخطط في مصر إلى حد كبير حتى الآن لرسوخ المعتقد الديني في قلوب المصريين ولارتباط الشعب المصري بجيشه وبتاريخه المشرف، كما أن أغلب المصريين يعملون في المؤسسات الحكومية، كما أن الفضل يرجع إلى الرئيس السادات رحمة الله عليه فهو الذي أرسى في بلدنا دولة المؤسسات.
فرأينا من ينادي بسقوط حكم العسكر، بينما المؤسسة العسكرية تحرس المنشآت، وتحرس الحدود، وتضبط السلاح المهرب على الحدود ورأينا من يهتفون بسقوط الدولة، ويدعون للعصيان المدني بينما يلعب النادي الأهلي بطولة كأس السوبر الأفريقي.
ورأينا الذين حرقوا المجمع العلمي يهللون ويصيحون وسط غضب الناس وسخطهم، بينما المؤسسات التعليمية والجامعية تمارس دورها المنوط بها، وتساهم مع الجيش في إعادة بنائه.
وتبقى المؤسسة الوطنية العريقة مؤسسة الشرطة، التي أدت واجبها كأحسن ما يكون الأداء، وسط ظروف صعبة وبكبرياء مجروح، وهي تعمل باستراتيجيتها القديمة، وكشفت مخطط تمويل هذه المنظمات المشبوهة.
وأدرك المواطن المصري ببصيرته أن ليس كل المتظاهرين ثوار، وأن ما يحدث ليس استمراراً للثورة، بل هي حرب "الجيل الرابع"، التي تثير الفزع، وتخرب المنشآت، وتلعب في أدمغة الشباب ليلقون المولوتوف على كل يابس وأخضر، وهم ينادون أننا ثوار، وليس لأحد أن يستخدم ضدنا العنف.
وأخيراً، لو أن هناك مجموعة من المثقفين والإعلاميين الشرفاء، يطالبون الناس بالصبر والعمل، ويطالبون بردع كل من يضر بالوطن، لاستطاعت الشرطة بما لديها من إصرار، وعزم، واحترافية أن تجعل حرب (الجيل الرابع) حرب الحسابات الخاطئة مع شعب مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق