الثلاثاء، 26 فبراير 2013

فيها حاجة حلوة .. وفينا حاجة غلط !!


http://elraees.com/index.php/component/k2/item/2558
بقلم : محمد يوسف العزيزى

كلما سمعت أغنية ريهام عبد الحكيم "فيها حاجة حلوة" ينتقل خيالى بسرعة إلى مشاهد الوطن .. إلى النيل والأهرامات ومعابد الأقصر وأسوان .. والقاهرة فى أوقات الليل .. وأتأمل كثيراً هذه المشاهد التى تنقل وجوه المصريين الحلوين الطيبين .. اللى طافحين الدم علشان لقمة العيش .. اللى صابرين على ضنك الحياة وعذابات الأيام ومع ذلك يبتسمون وتنساب من بين شفاههم كلمات بسيطة تشع رضاء وحباً لهذا الوطن الذى يجمعهم على أرض واحدة وتحت سماء واحدة .
كلمات الأغنية كانت تحملنى إلى عالم آخر .. إلى أيام الزمن الجميل .. إلى ما أتمناه لمصر .. إلى الصورة التى عرف العالم بها هذا الوطن .. إلى كل تنويعاته وأطيافه .. إلى الأذان فى المساجد وإلى رنات أجراس الكنائس .. إلى صورة فلاح يروى حقله وإلى عامل خلف ماكينة المصنع .. وإلى أستاذ فى فصله .. وإلى طالب فى جامعته .. إلى عامل نظافة يؤدى عمله .. وإلى جندى حارس لحدود الوطن .. إلى طفل يتحسس طريقه وهو يمشى .. إلى عيون كثيرة مملوءة بالإصرار والتحدى تنظر إلى مستقبل واعد وإلى وطن ناهض وإلى أمة قادرة على الوقوف جنباً إلى جنب دول العالم الأول .
بعد ذلك يشق أذنى صوت أم كلثوم بعد أن غطى السماء بالشجن وشحن العقول بالعزة والفخر وملأ القلوب بالانتماء وهى تشدو كلمات حافظ إبراهيم الخالدة :
وقف الخلق ينظرون جميعاً      ..      كيف أبنى قواعد المجد وحدى
وبنة الأهرام كفونى               ..      الكلام عند التحدى
إن مجدى فى الأوليات عريق   ..      فمن له مثل أولياتى ومجدى
هذه الكلمات تأخذنى بعيداً صوب التاريخ القديم حيث الحضارة والنبوغ والخلود فى رحلة عبر بوابات الزمن .. لأعود من جديد وأقول دائماً : أنا مصرى .. أنا حفيد هؤلاء .. أنا ابن مصر أم الدنيا .. أنا ابن مصر فجر الضمير.
لكن هل مصر مجرد النيل والأهرامات والمعابد والجوامع والكنائس والمصانع والغيطان والطرق والكبارى والمزارع والحدائق .. فقط؟! أم أن مصر هى كل المصريين .. هى الشعب الطيب المكافح المثابر .. هى الغنى والفقير .. هى المسلم والمسيحى واليهودى .. هى المثقف والمتعلم والأمى ؟! مصر هى كل هؤلاء .. مصر هى المصريون جميعاً .
والسؤال : إيه اللى حصل .. ليه احنا بقينا كده .. وليه مصر بقت كده ؟!!.
فى ظنى أننا تغيرنا .. لم نعد كما كنا .. فقدنا أشياء كثيرة من تلك التى تجعل مصر فيها حاجة حلوة .. فقدنا الإحساس بالأمان .. والإحساس بالأمان لا يرتبط فقط بغياب الأمن ولا يرتبط بقوة وزارة الدالخلية .. لأننا ببساطة استطعنا خلال أيام الثورة الأولى تكوين لجان شعبية حافظت على قدر المستطاع على أمن البلاد وقت انهيار الداخلية وانسحابها من الشارع ومن الحياة العامة .. لكننا لم نشعر بالأمان .. لأن هناك شئ ما انكسر داخل الوطن المصرى .. وما زلنا نشعر بعدم الأمان حتى وإن وقف على باب كل بيت عسكرى من عساكر الأمن !!.
تغيرنا لأننا سمحنا لأنفسنا أن ندهس القانون ونعتمد قانون الغابة .. القوى يأخذ حقه بذراعه .. والضعيف يجبر على على تقبيل الأيادى والأقدام !.
تغيرنا لأن كل واحد فينا وجد فى  نفسه أنه يصلح لأن يكون رئيساً للبلاد ورئيس وزراء ووزير ورئيس مجلس إدارة ومسئول فى أى مكان وفى أى زمان .
تغيرنا لأن القاتل صار ضحية .. والمقتول صار جانياً!! والبلطجى الذى يسقط قتيلاً وهو يسرق أو ينهب أو يدمر صار شهيداً له حقوق شهداء الحق الذين نحسبهم عند الله أحياء يرزقون !.
تغيرنا لأن كل واحد فينا صار قاضياً يحكم بما يرى .. ويرى أن القاضى صار يحكم بهواه وليس بالقانون .. لذلك تخرج أحكام القضاء إلى العامة يختلفون حولها ويفنددونها ويشرحونها ويفسرونها بعيداً عن إجراءات التقاضى ومقتضيات القانون.
تغيرنا .. لأن مساحة الثقة بيننا تلاشت وانهارت جسور التواصل وصار كل منا يمتلك الحقيقة وحده ولا يقبل الآخر !!.
تغيرنا .. بعد أن أصبحت نظرية المؤامرة هى القاسم المشترك الأعظم فى جلسات الحوار .. فتحول إلى حوار طرشان .
ببساطة .. كان فيها حاجة حلوة .. والآن فينا حاجة غلط !.. طبعاً فينا حاجة غلط .. وما يحدث لمصر والمصريين هو صنع أيديهم .. من تصلبهم بالرأى وغياب الرشد وتغليب الخاص على العام .. فينا حاجة غلط لأننا جميعاً ندفع الثمن .. ونلعب مباراة ليس فيها غالب أو فائز .. لكن لها نتيجة واحدة .. الجميع مغلوب ومهزوم .. وفاشل.
وببساطة أشد نحن جميعاً مسئولون عن تقديم نموذج لدولة فاشلة لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها .. دولة تضيع التاريخ والحضارة ومنظومة القيم الإنسانية التى نشأت على أرضها .
وأخشى ما أخشاه وأخوف ما أخاف منه أن يتردد صدى صوت أم كلثوم يقول :
وقف الخلق ينظرون جميعاً   ..   كيف أهدم قواعد المجد وحدى
وصدق الله جل وعلا حينما قال فى كتابه العزيز :
"ربنا ولا تحمانا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين" صدق الله العظيم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق