الثلاثاء، 2 أبريل 2013

أنا ستين عتريس

http://www.elraees.com/index.php/mian/opinions/item/3869
أنا ستين عتريس

بقلم : جيهان عبد الرحمن

فى أحد أيام شهر رمضان المعظم والتي علمت فيما بعد أنه العاشر من رمضان الموافق 6 أكتوبر 1973 و كان عمري وقتها لم يتجاوز السنوات السبع وفهمت أن هناك نصرا عظيما تحقق اهتزت له أرجاء العالم إما فخرا وزهوا أو اندهاشا وخوفا ، وفى أوقات الفرح والأمان يسمح للصغار باللعب فى الشارع خاصة فى المناطق الشعبية وكان منها بالطبع حي باب الشعرية العريق الذي شهد طفولتي وشبابي يماثل فى عمقه التاريخى عمر ونشأة  دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية نحو ثلثمائة عام تقريبا، وأيام الحروب كانت فى كل شوارع مصر وأحيائها بنايات تحت الأرض تعرف باسم الخنادق وهى طبعا مخصصة لاختباء المواطنين وقت الخطر إلى جانب ساتر من الطوب ألأحمر أمام كل منزل للحماية ، وبعد الحرب بأيام قليله اكتشفنا ونحن نلهو ونلعب وجود أعداد مهولة من ملابس جنود الجيش المصري المستعملة وكل متعلقات الجنود من خوذ للرأس وبيادات وأحزمة المعروفة بـ"القايش" ومخالى  أي جمع مخلة ،وكلها يعرضها تاجر خردة  للبيع وكان محله فى الجهة المقابلة لهذا الخندق ، على من يريد الشراء من الأطفال مقابل قروش زهيدة وكان الأطفال مقبلين على شراء الخوذ للعب بها ، أما الشباب وبعض فقراء الحي كانت لهم مأرب أخرى ، وفور انتشار الخبر وعودة الأطفال بالخوذ إلى ذويهم وكنت من بينهم ، انتفض رجال الحى وشيوخه وذهبوا بكل حزم وقوة لهذا التاجر وكان للمصدافية أسمه رمضان وكان لم يتجاوز العقد الثالث من عمره وألقوا فى وجهه وعلى أبواب محله كل ما اشتراه أطفالهم من مهمات ولقنوه درسا فى الأخلاق والوطنية وسمعت صوت أبى جليا -رحمه الله- وكان من شيوخ أهل الحي وله مكانة ومهابة وطيبة وينتمي إلى مؤسسة ألأزهر والإسلام الوسطى السمح الذي عليه معظم أهل هذا البلد ، وقالوا له التجارة لا تكون فى دماء شهدائنا ومخلفاتهم ليست للبيع أو التجارة وكنت وقتها أسمع لأول مرة "غنى حرب" وفهمت من الحوار الحاد أن هذه البضاعة تخص شهداءنا أو حتى جنودنا من غير الشهداء ولكن أهل الحي جميعا رفضوا تلك التجارة وألزموا التاجر أن يذهب ببضاعته إلى مكان آخر .
تذكرت هذه  الواقعة  بكل تفاصيلها وأنا أرى هذا المشهد العبثى الذي نعيشه وهذا الأداء المذرى للرئيس والرئاسة والحكومة والجماعة وهذه الهزيمة التي يعيشها الشعب المصري وكأنها إعادة لأجواء هزيمة يونيو 1967 رغم أن عمري وقتها تجاوز العام بقليل ولكنني فهمت بعدها معنى  الحزن والمرارة التي عاشتها أسرتي وأنا فى سنوات عمري الأولى وكنت طبعا لا أعيها  ولكنى عشت أيضا الفخر ببلدي وجيشنا العظيم ، بل تعظيم مهمات أبطاله وملابس وخوذ جنوده ، تذكرت كل ذلك وأنا أسأل نفسي : متى سيتحرك جيشنا لا ليحكمنا ولكن ليحمينا من سائق متهور لا يجيد القيادة ولا حتى فن الخطابة يسوق مصر العظيمة متصورا نفسه يقود "توك توك" بعد أن أثبتت التجربة أنها للأسف كل ثقافة الرئيس وجماعته التي تقودنا وتقوده هو نفسه للهاوية..!!
عامة الناس وأنا منهم يميلون إلى تحميل المسئولية إلى المشير طنطاوي شخصيا ومجلس الجنرالات الذي سلمه الشعب ثورته بعد تنحى مبارك وانصرف إلى شأنه منتظرا أن يأتيه  العيش والحرية والكرامة الإنسانية على طبق من فضة, وطبعا هى مسئولية الشعب الطيب الذي انتفض شارع فيه على تاجر خردة أهان مخلفات جنودنا ، وهذا الشعب نفسه يثق ثقة لا حدود لها فى جيشه العظيم ،رغم تحميله المجلس العسكري مسئولية ما وصلنا إليه بعدما سلمنا تسليم مفتاح لجماعة فاشية غبية فاشلة وهذه الألفاظ لا تنتمي إلى قاموس الشتائم وأرجو أن لا يفهم منها ذلك، ولكنها بكل بساطة ألفاظ واصفة لكل تصرفات وأفعال وأقوال جماعة الإخوان أو جمعية الإخوان التي تحكمنا من المقطم..!! .
رسالتي إلى قادة الجيش المصري العظيم :  أرجوكم كما سلمتم مصر إلى جماعه محظورة  تلهو وتعبث بحضارة عمرها أكثر من سبعة آلاف عام وتذهب بمصرنا إلى الجحيم ، أعيدوا الحكم للشعب عن طريق مجلس رئاسي مدني يكون أحد أعضائه من قيادة الجيش ثم دستور يليق بمصر ومكانتها كي تعود الأمور إلى نصابها الصحيح دون إقضاء لأحد ، فلا وقت يمكن إضاعته بعد ذلك فلا الزمان ولا المكان يسمحان أبدا لمجموعة يحكمها النزق السياسي بأن تستمر فى حكمنا ولا رئيس تذكرني خطاباته وحديث الصوابع  الشهير بمشهد تاريخي من الفيلم العظيم "شئ من الخوف" للمخرج الرائع حسين كمال إنتاج عام 1969 أبيض وأسود عن قصة للأديب ثروت أباظة بطولة محمود مرسى والعظيمة شادية والمشهد يخص أحد أفراد عصابة عتريس وهو الممثل القدير أحمد توفيق المعروف بقصر قامته ،بعد أن أصابته لوثة عقلية فيجوب شوارع وأزقه قرية الدهاشنة التي عاشت الخوف والقهر على يد عتريس الجد وعتريس الحفيد مرددا مقولته: "أنا بلوى سوده ..أنا داهية مسيحة ..أنا عتريس أنا ستين عتريس" .. وأطفال القرية قد تجرأوا عليه  ونزعوا الخوف من قلوبهم  وأخذوا يقذفونه بالطوب والحجارة .
رحم الله زعماء مصر العظام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق