جريدة الرئيس - جريدة الرئيس - سياسه

جريدة الرئيس - جريدة الرئيس - اقتصاد

‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 أبريل 2013

ابتسم .. أنت متهم !!


بقلم عبد الرازق أحمد الشاعر*

اليوم وبعد انتظار عبثي لجلسة محاكمة هزلية لرئيس خرج عليه الشعب يوما رافعا قبضاته المتشنجة، لم يفاجئنا تنحي المستشار مصطفى عبد الله عن نظر قضية "القرن"! ولم نشعر باحتقان إزاء هتافات أشياع مبارك وأبنائه. ولم نقضم أظافرنا كمدا ونحن نشاهد الرجل الممدد فوق تابوت القضاء ليخرج ملوحا بيديه للمهنئين. لكن ما أدهشنا حقا هو تأجيل حكم البراءة شهرين كاملين لمن أراد أن يتم الانتظار.

الدهشة رد فعل استثنائي على حدث فريد، وفغر الأفواه وشخوص الأبصار إزاء الحدث عينه فعل تمثيلي لا يجيده إلا المتمرسون على اعتلاء خشبات المسرح ومنصات القضاء. أما نحن الذين تعلمنا أن نشاهد حلقة الإفراج تعاد بعد كل شروق شمس وقبل الغروب، فلم يعد لدينا طاقة تمكننا من إخراج آهات تمثيلية أمام كاميرات المراقبة التليفزيونية، ولم يعد لدينا فائض حزن ننثره فوق بلاط المحاكم كلما تراجع قاض أو حكم.

ولم يعد لدينا بقايا من غضب تجعلنا نثور في وجه الديب حين يبرر مروق الأسد من بين القضبان بحبكة قانونية مفبركة. ولا يهمنا أن نتقصى سر تنحي رئيس المحكمة، فلا فرق بين عذر مرضي وآخر أخلاقي طالما أن الهدف من يأسنا قد تحقق بامتياز. ولن نتوقف عند تصريح العريان المستفز بأن وراء التنحي حكمة عظيمة لأننا لا زلنا نجهل حكمة التنحي الكبير الذي تلهينا عنه بالاحتفالات والألعاب النارية.

لم يعد قضؤنا يفاجئنا أيها السادة لأنه قدم كل ما لديه من حيل بهلوانية فوق سيركنا الدامي حين صنع من دمائنا بلاغات كاذبة وأطلق من مصباح الثورة مردة التاريخ وزبانية الفرعون. أعلن من فوق خشبة الحزن هذه أنني طلقت القضاء ثلاثا، وأنني سأمتنع عن متابعته وملاحقته حتى يعيد المارد إلى قمقمه أو يعيد التاريخ والجغرافيا إلى ما قبل الخامس والعشرين من يناير.

لا يحق لأرسطوفون أن يتبجح من اليوم فصاعدا بأنه وقف أمام القضاء اليوناني خمسة وتسعين مرة دون أن يدان. فقضاء بلادنا لا يعرف عقوبة إلا الإفراج أو التنحي. وأعتقد أن في بلادنا الكثيرين ممن حطموا رقمه القياسي دون أن يتصدروا قائمة المذنبين.

سألني صديق ذات يوم عن سبب انتشار ظاهرة البلطجة بين المصريين الذين اشتهروا بين سطور التاريخ بدماثة الخلق وطيب المعشر، فقلت ضاحكا أنهم يفصلون في القضايا المؤجلة لأنهم لا يطيقون فكرة التنحي، وأن تلك الظاهرة مرشحة للتصاعد في ظل ثورة علمتنا أن نرخي كثيرا من قبضاتنا المتشنجة حين نهتف بالسقوط أو ننادي بالعودة.

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

السبت، 23 مارس 2013

من يحرك الأصابع ..؟؟


http://www.elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3473
بقلم عبد الرازق أحمد الشاعر

حين ترتفع اليد بالسلاح وتلتف السبابة حول الزناد وتضع العين بصمتها فوق أسفل منتصف الهدف، لا يتبقى بين الممثلين وإنزال الستار إلا ضغطة زر عابثة. لكن حوار الرصاص والدماء لا ينتهي دوما حيث تستقر الرصاصة لا سيما إن كانت الدماء حارة كما ينبغي. ولا يصفر الجمهور بالضرورة بعد كل سقوط ويسدل الستار على جسد مسجى تحت أضواء باهتة. ولا ينزل الغراب حتما بعد كل اغتيال ليعلم القاتل كيف يواري سوءة أخيه، أحيانا تبقى الجثة في المكان لتفوح منها رائحة الكلمات. فبعض الكلمات حتما لا تموت.

لم يكن قيصر روما ألكسندر الثاني ديكتاتورا أبدا حين أصدر فرمانا بتحرير العبيد عام 1861، ولم يكن مستبدا البتة وهو يصدر قوانين الإصلاح الاجتماعي الواحد تلو الآخر. لكن زمرة المعارضين لحكمه وقفوا لكلماته بالمرصاد، واستبدوا بديمقراطيتهم ووضعوا عجلة الإصلاح السياسي أمام حصان القيصر، وتمكنوا بالفعل من اغتياله عام 1880 بعد محاولتين فاشلتين لقنصه.

كان القيصر يتنزه كعادته في عربته المصفحة حين ترصد له ثلة من بعض ممثلي "الإرادة الشعبية" وألقوا على عربته قنبلة يدوية. لكن الرجل الذي أمّن قفصه الصدري داخل عربة نابليونية مصفحة لم يصب بأذى. بيد أنه حين هم بالهروب، باغتته قنبلة أخرى أصيب على إثرها عشرون رجلا من رجال حاميته. أما هو، فلم يسعفه أطباء قصره الشتوي بعد أن فقد رجليه وبعضا من أحشائه.

لكن محرر العبيد لم يمت هناك، ولم ترقص ذئاب القناصة فوق دمائه وأشلائه المبعثرة. فعلى أنقاضه، أقام ولده ألكسندر الثالث كنيسة ضخمة كان الناس يفدون إليها من كل حدب روماني. وظلت ذكرى الحاكم الليبرالي تتردد في أنحاء المكان زمنا لأن قاتليه عجزوا عن إيجاد خليفة له يستطيع قيادة روما من خطمها نحو أي مجد. وبكى على الرجل من البسطاء والمحررين أضعاف أضعاف من شربوا نخب اغتياله حول طاولات الخيانة.

من الزعماء من يتنفس الزمان لرحيلهم الصعداء، ومنهم من تحاول البلاد استنساخهم دون جدوى، فتكتفي بالدموع والحسرة. ومن القادة من تخفي سلالتهم شواهد قبورهم خوفا على أجداثهم من النبش، ومنهم من يزورهم الناس بعد رحيلهم زرافات ووحدانا ليتبركوا بذكراهم ويبكوا على تاريخهم. ويظل الحكم الأول والأخير للبسطاء لا لقادة الفكر أو النخبة السياسية. فهؤلاء أقدر الناس على الحكم على السير لأنهم لا يحكمون بأهوائهم بل يُحَكمون بطونهم وجيوبهم ومخادعهم.

رحل ألكساندر الثاني عام 1880، ووجد مغتالوه آلاف المبررات لقنصه، لكن البسطاء الذين فكوا للتو أساور العبودية من حول معاصمهم وأزالوا الأختام من وراء أقفيتهم المسفوعة لم يجدوا ما يكفرون به عن خطيئة القتلة إلا الدموع والجوع والفقر. ولم يشعر القتلة وهم يغسلون أياديهم من دمائه أنهم كانوا مجرد كومبارس في مسلسل لعين يعيد مشاهده على أبصارنا وأسماعنا كل صباح ومساء.

لكن اغتيالات اليوم في سوريا أو في لبنان لا تجد ما يبررها ولا من يبررها، لكن تزامنها يلقي حجارة الشك في سلة واحدة. فهناك من يداعب أوتارنا الدينية المشدودة ويعبث بعواطفنا المستثارة ليدخلنا في نفق الخلاف. هناك من يدق على مسامير المذهبية المقيتة في عقولنا المستباحة ليحصد من جهلنا ما يستعصي على طائراته وفيالق جنده. هنالك من يخرج المشاهد كلها ويرقب ردود أفعالنا السخيفة ويضحك ملء فيه حتى يستلقي على قفاه.

أما نحن، فلا نجيد إلا الرقص على حباله المشدودة فوق حدودنا المستباحة، ونرفض التوقف ولو للحظة لنجمع أطراف المشاهد الهزلية فوق خشبات مسارحنا المترامية. على الزناد اليوم تلتف أصابع لكنها ليست كأصابعنا، وتصوب نحو صدورنا أعين ليست كعيوننا، ترصد تحركاتنا وتجيد شد الخيوط اللامرئية التي تحرك وصلات أجسادنا المنهكة. وفي كلا المعسكرين نحتشد لننفخ في كير الفتن ونؤجج نار الكراهية التي إن اشتعلت في بلادنا، فلن تبقي ولن تذر إلا هياكل متفحمة لن تجد من يبني فوقها مسجدا أو من يأتي لزيارتها إلا لبناء المستعمرات.

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

الأربعاء، 20 مارس 2013

ديمقراطية الرعاع


http://www.elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3399
بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر *

لم يسافر مصطلح في دنيا الناس كما سافرت الديمقراطية، ولم يتلون لفظ بألوان الأعلام وأفهام الساسة قدرما تلونت. والديمقراطية كائن خرافي لم تهزمه السنون، إذ يضرب مسماها بجذوره في بطن التاريخ وعمق الجغرافيا. فقبل الميلاد بخمسة قرون ولد مفهومها، وأخذ يتنقل في دنيا الناس شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، لكنه لم يستقر على جلد واحد ولم يكتف بفصل من فصول السنة أبدا. وبعد قرون من الهجر والصد والتمنع، قررت الديمقراطية أن تضع بيضها الربيعي فوق مدننا التي نسيها التاريخ أو كاد.
لكن الديمقراطية التي فرقت بين "ثيسيديدس" ووطنه أثينا ذات جهالة، عادت لتفرق بين المرء وأخيه في بلاد كانت يعربية حينا من الدهر لم يعد شيئا مذكورا. خرجت ديمقراطيتنا من خلف القضبان مغلولة الساعدين تماما كديمقراطية أثينا التي قضت بالنفي على رأس لم يعرف الأثينيون له شبيها. فقد خرج رعاع أثينا ذات ديمقراطية على رجل لم يطلب مقعدا في البرلمان ولا حقيبة وزارية في زمن السخف حتى يتهم بالتواطؤ ضد الحاكم، فقد كانت أسرة الرجل - يشهد التاريخ - تمتلك جبلا من ذهب وتاريخا من فضة.
حين تمرد الساعد الإسبرطي على أخيه الأثيني ذات فتنة، ونشبت حرب أهلية لم يشهد لها تراب اليونان مثيلا، استجار حاكم أثينا بالمؤرخ العظيم ثيسيديدس لينقذ ما يمكن إنقاذه من تاريخ البلاد، لكن الرجل تأخر في الوصول إلى حامية سلمت بلادها للمغتصب على طبق من خنوع. واتهم الرجل في شرفه الأثيني، وعوقب بالطرد من بلاد أحبها وأحبته عشرين عاما عجافا. لكن ديمقراطية الغوغاء تلك لم تحرمنا من عبقرية أول مؤرخ يعتمد الواقعية السياسية في السرد ويتجنب الحديث عن تدخل الآلهة في مسار الأحداث.
كان ثيسيديدس يرى أن العلاقة بين الشعوب لا يحكمها الحق، بل تستبد بها القوة، وكأنه كان يبشر بعالم القطب الواحد وبرادة البلدان. وكان الحكيم الأثيني يرى أن المُثل لا تسيّر التاريخ، وإنما تسيّره الأطماع والصراعات والعنف، وكان يري أن الديمقراطية بلا قائد تضر أكثر مما تنفع، وهو ما أثار حفيظة كهنة معبد الديمقراطية الذين لم يكفوا عن مدحها في كل المحافل بداع وبدون داع.
وهكذا خرج الأثينيون الذين كانوا يرفعون لافتات العيش والحرية والكرامة، مطالبين بإخراج الرجل وأهل بيته بحجة أنهم أناس لا يتدمقرطون. وهكذا خرج الرجل من جبال الذهب إلى جبال اليأس موليا ظهره لديمقراطية رعاع لا قائد لهم إلا الحناجر المشبوهة. وعلى صخرة بالمنفى، جلس الرجل كسيفا متأملا أحوال الديمقراطيين ليكتب تاريخا لم يقرأه أغلب الخارجين على فصول التاريخ ومن أضيق شرايينه من مثقفي بلادنا.
لا ديمقراطية إذن أيها الحكيم ثيسيديدس دون قيادة. ولا ديمقراطية في بلاد تعتبر قطع السكك الحديدية والوقوف فوق أشرطة المصالح عملا ثوريا. ولا ديمقراطية في بلاد ترفض اللون الآخر والصوت الآخر حتى وإن كان صوتا ثوريا قادما من أعماق أثينا التي صنعت الديمقراطية وتمردت عليها دون أن تتهم في ثقافتها أو توصم بالرجعية الثورية.
لكنني أيها الحكيم لن أسير اليوم على دربك حتى لا ألقى مصيرك، فقد جربت الغربة عمرا يناهز عمر نفيك عن ديار أحببتها قدر ما أستطيع وأنكرتني قدر ما تستطيع. لن أخالف رعاع الديمقراطيين اليوم حتى لا أتهم بمعاداة طائر الديمقراطية المهيض، فأطرد باسم الديمقراطية من بلاط صاحبة الجلالة عقدين آخرين حتى يعود للعقول المغيبة صفاؤها. لن أخرج اليوم من التاريخ كما خرجت أنت ذات فوضى، لأنني لم أمتلك في بلادي يوما جبلا من ذهب ولا جبلا من تبن. سأهتف باسم الديمقراطية غير الرشيدة حتى يأذن الله لي بقول الصواب. سأردد ما يقول الناس من قصائد تغييب حتى لا أكون كغراب بين الحجل. وحتى يألم على الجرحى من لم يصبهم من الثورة قرح حقيقةً لا ادعاءً، سأتلون بكافة ألوان الديمقراطية حتى أبدو عصريا في أعين الأثينيين.
--------------------------------------
* أديب مصري مقيم بالإمارات

الاثنين، 18 مارس 2013

خلاف غير كاردينالي


http://www.elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3319
بقلم عبد الرازق أحمد الشاعر

مع وجبة الصباح، اضطر الكاردينال مازارين أن يزدرد خبرا غير سار عن خلاف نشب بين سيدتين من نساء قصر الملك. استمع الرجل إلى بصاص القصر يحكي بالتفصيل غير الممل كيف أن إحداهما انهالت على الأخرى لكما وركلا بعدما صفعتها الأخرى صفعة منتقم. ناهيك عما فاضت به قرائحهما من سباب ولعان وكشف للمستور وفضح للمعايب. وكتم الرجل ضحكته وهو يصف كيف كان رجال القصر يتقافزون كالسناجب من أمامهن حتى لا يصيبهم من غضب النسوة قرح. وام ينس نافخ الكير وهو يسرد كل ذلك أن يزم شفتيه بين كل عبارتين كمن يلقي خطابا سياسيا هاما على نفر من العوام.

وحين انتهى الرجل من حكايته، سأله الكاردينال: "هل تصايحتا؟" قال الرجل: نعم." "وهل تشاتمتا؟". "أقول لك لم تدعا في قاموس الشتائم لفظة إلا علكتاها." "وهل تحفظ شيئا مما جرى على لسانيهما؟" عندها نظر الرجل شزرا للكاردينال وظن به السوء، لكنه سرح بخياله لحظات قبل أن ينطلق كمذيع يقدم وصفا تفصيليا لأحداث مباراة تبث عبر المذياع. ولم ينظر الكاردينال استحياء في عيني الرجل حتى انتهي من سرده. بعدها رفع حاجبيه ليسأله: "وهل وصفت إحداهما الأخرى بالدمامة؟" قال الرجل: "لا يا سيدي." عندها قال مازارين واثقا: "لن يكون من الصعب الإصلاح بينهما إذن."

لكن كيف يصلح العطار ما أفسد الدهر بين حكومتنا ومعارضيها أيها المازارين الحكيم؟ من يستطيع أن يجمعهما على طاولة واحدة وقد قال كل حزب في غريمه ما قال مالك في الخمر؟ صحيح أن أحدا من الفريقين لم يتهم صاحبه بالقبح، لكنهما فعلا ما هو أقبح سيدي. إذ لم يأل أحدهما جهدا في تشويه صاحبه والتشكيك في ولائه والنيل من وطنيته. فإن كان القبح هو حد اللاعودة عند النساء، فلأي شيئ - غير الشرف - يحتد الرجال يا ترى؟ .

يقول المحللون أن الخلاف بينهما خلاف منهجي، وهو والله ادعاء يحتاج إلى تمحيص. ويكفيك مراجعة كل المواقف التي تصدر عن الطرفين لتتأكد أن الخلاف بين أولي اللمز من المتخاصمين ليس فكريا في الأساس. فكلا الطرفين يقف على أرض زلقة لا تنتمي إلى أي يمين ولا تنحاز إلى أي يسار. وعبارات الطرفين مطاطة تحتمل كل تأويل، وكل تعديل، وكل تمثيل. فترى الرجل يحتد ويمتقع وجهه على قناة فضائية، وتراه يلين ويرق ويعتذر على أخرى. هذا، ويدعي الطرفان أن السياسة لعبة تحتاج إلى ليونة في عضلات الوجه، لكن الأمر سيدي لم يقتصر على انزلاق العينين وانسياب حركة الحاجبين. فقد امتد اللين إلى المواقف التي تحتاج إلى حزم حتى ماعت، فلان الرجال حيث مواقف الشدة، واحتدوا في مواقف اللين، حتى رسموا منطقة عازلة رمادية بين الحق والباطل وبين الرشد والضلال عندها تزيغ الأبصار وترتفع حواجب الحكماء.

وإثر كل جمعة غبراء، تسيل الدماء وترتفع الأسلحة البيضاء وتصبح الأرض سجالا بين قنابل الدخان وقنابل المولوتوف، ويسقط من هنا صنديد ومن هنا صنديد، وبعد أن يدفن أولياء الدم قتلاهم، يُكتب فوق كل الشواهد: "هنا يرقد شهيد." ولو كانت الشهادة في التحزب سيدي، أين ندفن البسطاء الذين اعتصموا بحبل الله جميعا ولم يتفرقوا؟ ذات يوم، وقبل أن تضع المصالح القرآن فوق أرفف السياسة، ، علمنا الفقهاء أن أمتنا أمة واحدة، فلماذا تحولنا باسم الدين اليوم إلى أمم وطوائف؟ وتعلمنا أن المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، فلماذا تبدلت شرائعنا وأصبحت الشهادة في بلادنا تنال بالضغط السياسي، ويمنحها رؤساء الدول كما يمنحون الأوسمة والنياشين؟

من يجمع فرقائنا اليوم أيها المازارين، وقد تفرقوا عند أول نهر، واستبدلوا الذي هو أدني بالذي هو خير؟ من يجمع من صنعوا عجولا غير مقدسة وعبدوها عند كل استوديو، واستباحوا اللغمز واللمز كما فعلت نسوة القصر ذات تاريخ؟ ماذا نفعل وقد استبد كل حزب برأيه، واعتبره دستورا، وجعل كل فريق إلهه هواه، وحارب كل واحد منهم بسيف مكسور تحت راية منكسة؟ كيف نجمع فرقاء الوطن أيها المازارين الحكيم، وتحت أي راية؟

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

الخميس، 14 مارس 2013

ربيع العميان


http://www.elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3235
بقلم عبد الرازق أحمد الشاعر

يحكى أن ضريرا وقف طويلا في انتظار طرقة على الكتف أو تحية صباح باردة من عابر طريق .. كانت الشمس حارقة والأنفاس حارة ودخان السيارات يزكم أنفه ، لكن أحدا من المشغولين بذواتهم لم يعرض عليه مرفقا أو يلتفت إلى وجهه المجعد أو يضع راحته فوق يد أضناها الانحناء الممض فوق عصاها الخشبية المقوسة ..

وبعد أن تملك اليأس من رحمة البشر قلب الضرير ، جاءته طرقة النجاة من حيث لم يحتسب ، وتبعها صوت مغضن مشقوق يقول : "بالله ساعدني كي أعبر "إلى الناحية الأخرى من الشارع ، فأنا رجل ضرير كما ترى ..

لم تنته القصة قطعا عند هذا الحد ، ولكنني أكتفي بهذا القدر عزيزي القارئ لأنني لا أريد أن تتحول المأساة علي يدي إلى قصة طريفة تفرك بعدها عينيك وتدير ظهرك للمقال وتتثاءب ..

لا أريد أن أحملك على ظهر كلماتي هنا نحو الأحلام الفستقية التي مللتها وملتك ، لكنّي أريدك أن تقف بحزم يتناسب مع خطورة الحدث ، وأن تفرك عينيك لتنتبه وتدرك حجم مأساة رجل وجد نفسه فجأة فوق ناصية خريفية بين إخوة شغلتهم شئونهم الصغيرة حتى النخاع ؛ فلم يتطوع أحدهم بفضل وقته لينقذ رجلا ساقته الأقدار التعسة إلى رصيف بائس في يوم قائظ بين إخوة يهرولون يمينا ويسارا ولا يلتفتون إلى أحد ..

أريدك أن تقف الآن في حذاء ذلك الرجل ، وأن تقبض على عصاته وتنتظر .. أريدك أن تفتح منخاريك لتتنشق عوادم السيارات وتراب الأحذية المهرولة فوق رصيف ترابي في ظهيرة يوم حار .. تتأفف من رائحة عرق المارة وأصوات الباعة الجائلين وهمس العشاق وصياح المارة .. وتأبى أن تمسك بجلباب أحدهم أو معطفه لأنك ترفض نظرات الاشمئزاز التي لا تراها في أعين الناس أبدا لأنك ببساطة لا ترى ..

والآن ، تخيل أن فيروساً خطيراً أصاب أعين الناس كما أصاب أفئدتهم ، وأنه لا فضل لعين فوق رصيفك الكئيب على عين ..

تخيل أنك تعيش في عالم من الأضراء الذين يمشون على غير هدى وأنكم جميعا تنتظرون من يحملكم إلى الجانب الآخر من رصيف الانتظار ، وأنكم تنتظرون وتنتظرون دون أن يتغير شيئ إلا الصخب وتمتمات المارة وأبواق سيارات متوقفة لا تجد مبصرا يقودها نحو أي غاية ..

تخيل الآن أنك مواطن عربي نَبَتَّ في أرضنا فجأة ، أو أنك سائح انتقلت إلى بلادنا الربيعية الصاخبة فوق جناحي فراشة ثورية .. وأنك الآن تقف وسط قرية عاجزة أو في حلق مدينة ضريرة وأن المارة لا يرونك ولا تراهم ، وأنكم جميعا تنتظرون ما لن يأتي ، وأن الشمس تلفح وجوهكم الكالحة ذات يوم حار ..

ما الفرق يا صديقي في عالم العمى بين رصيف ورصيف ، أو بين يد قابضة على عصاها ، ويد تربت على الكتف ؟ ما الفرق بين انتظار وانتظار ؟ ما أسوأ أن تشعر اليوم أنك خرقة سوداء من ثياب مدينة مظلمة كالقاهرة ، أو أنك مسعف ضرير في سيارة إسعاف يقودها أعمى في شوارع اليمن الحزين ..

ما أقسى أن تتسول الأنفاس وتتنفس الدماء فوق رماد مدينة عريقة كدمشق ولا تجد مفرا من الظلام إلى الظلام إلا ربتة رقيقة على كتفك من ضرير ضال ! وما أبأس شعورك وأنت تتنقل في شوارع القيروان مغمض العينين فلا ترى أسماء الشوارع وجمال الضواحي ! ما أشق أن تتجول فوق أرصفة ليبيا فلا تسمع إلا أزيز الرصاص وصرخات القتلى !

ماذا ينتظر من ينتظر فوق رصيف العمى أيها الصديق ؟ وأي سخف يحملنا على البقاء حيث مواقعنا المنتنة فوق خارطة التاريخ المعتمة ؟ بالله تحركوا أيها الواقفون في انتظار ما لن يأتي .. تحركوا في أي اتجاه ولو إلى الخلف ..

مَلَّت الشوارع دبيب أقدامكم ورائحة العرق المتصبب من أجسادكم الواهنة .. عودوا إلى ثكناتكم أو تقدموا نحو أي خلاص ، فلن يأتيكم الخلاص على صينية من بلادة .. تقدموا نحو طيبتكم ومدوا أياديكم الراعشة نحو أي آخر ، واربتوا فوق كتف أي عابر طريق ، وتعاونوا على العبور نحو أي ناصية ، ولا تنتظروا فاجرا من شرق أو كافرا من غرب ليقودكم بعينين لا تبصران إلا أذاكم .. وإن اخترتم الانتظار ، فأفسحوا لعظامي الواهنة مكانا كي ترقد بينكم رقدة البغاء ..

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

الثلاثاء، 12 مارس 2013

حماية .. والسلام


http://www.elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3121
بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر *

عام 2007، سأل السناتور الديمقراطي بايدن  المأسوف على بياض أسنانها كونداليزا رايسإن كانوا يخططون لعبور الحدود العراقية والتوغل في الأراضي السورية أو الإيرانية لمطاردة "قواعد الإرهاب المتنقلة". ويومها أجابت كوندا: "واضح أن رئيسنا يفعل كل ما يستطيع لحماية قواتنا هناك، كل ما يهمنا الآن أن نجتث خلايا الإرهابيين من العراق. أعتقد أننا جميعا ندرك أن من واجب الرئيس أن يفعل أي شيئ لحماية قواتنا."
لكن إجابة رايس اللزجة وقفت ككتلة دهن دسمة في حلق السيناتور الجمهوري تشاك هاجل الذي اشتهر بعدائه لسياسات الإدارة الأمريكية التي "تجيد ارتكاب الأخطاء في الوقت المناسب"، فقال متهكما: "، سيدتي وزيرة الخارجية، يذكر بعضنا ما حدث عام 1970، حين كذبت الإدارة الأمريكية على شعبها وقالت أنها لم تعبر حدود كمبوديا، رغم أننا كنا قد تجاوزناها بالفعل. أعرف شخصيا بعض التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر، وأعتقد أن بعض أعضاء لجنتنا الموقرة يعرفون ما أعرف. لهذا أجد أن محاولتك تمرير مخططات الرئيس أمر خطير للغاية."
لكن الحدود عند المحتلين - سيد هاجل -  ليست لها تلك القدسية التي يراها طالبوا اللجوء السياسي أو الراغبون في الحصول على تأشيرة عمل في دولة نفطية أو المهاجرون في قوارب آيلة للغرق كفئران حقل نحو الشواطئ الأوروبية. فالحدود عند صانعيها من بني جنسكم نجيل صناعي يبسط عند الحاجة ويطوى بضغطة زر.
الحدود أشواك صناعية يغرسها طغاتكم على جنبات معابرنا وهم يحملون أوزارهم ليعودوا من حيث أتوا غير مأسوف على خطاهم. وهم وحدهم يملكون شيفرة النزيف، وخارطة الألغام، لهذا تظل مخيلة الشعوب الزاحفة نحو الحرية محدودة بأسلاك وهمية تفتش عن أي طريق يحملها نحو أي خلاص، فلا تجد إلا طريق التبعية.
يذهب المحتلون حين يذهبون وفي طيات حمولة أكتافهم أحلام موثّقة بالعودة القريبة على أعناق المنادين بالحرية والمطالبين بالاستقلال. ولأنهم غير مضطرين لحمل جوازات سفر أو أوراق هوية، تراهم يتنقلون بين حدودنا المؤقتة كيفما عن لهم دون الحاجة للبحث عن مبرر أخلاقي كذلك الذي صدعتنا به أمريكا وحكوماتها المتعاقبة عن حقها في حماية قواتها ورعاياها.
وكذبت حكومة بوش كما كذبت حكومة نيكسون، وقصفت أمريكا سواحلنا كما قصفت طائرات ب 52 الساحل الكمبودي ذات تمرد. لكنها توغلت في بلادنا اليوم أضعاف ما توغلت في كمبوديا، وقصفت في بلادنا ما تورعت عن قصفه هناك. لكنهم ليسوا مضطرين هنا  لتبرير عبثهم بالحدود لأنهم صانعوها. ولا يجدون في أنفسهم حرجا من الوقوف أمام الكاميرات والإعلان مرة بعد مرة أنهم يدافعون عن قواتهم المغروزة في شرايين بلادنا كنبت شيطاني.
نعم تجاوزت قواتكم حدودنا سيد بايدن، ولم تجد عند خفر السواحل أو صالات الجوازات من يوقفها ويفتش أمتعتها لأنكم سيد بايدن تأتوننا اليوم بطلب من مجالسنا النيابية وأحزابنا اليسارية وشعوبنا المنهكة. هأنتم اليوم تغزون حدودنا سيد هاجل ولا تجدون قوى ممانعة ولا حرس حدود لأنكم تأتون اليوم لحراستنا من أنفسنا ومن قوات الأمن في بلادنا. دمتم لنا سيدة رايس ودام دعم حكوماتكم المتعاقبة لثوراتنا الربيعية ضدكم. سيوفنا معكم، وقلوبنا ضدكم، وحدودنا حدودكم وعلى قواتكم السلام.

السبت، 9 مارس 2013

أجران التاريخ المقدسة


http://elraees.com/index.php/abdelrazeq/item/3044
بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر

ذهب أهالي كوب الألمانية ذات مجاعة إلى الأسقف هاتو الثاني، ووقفوا أمام إبرشيته ببطون عصرها الجوع واليأس إلا من رحمته. وبعد جلبة وصياح، خرج رئيس الأساقفة على قومه في زينته وفي يده مفاتيح مخازن الغلال، وألقى عليهم خطبة عصماء ذرفت لها الدموع ولانت لها القلوب وخشعت لها الأصوات، لكن أحد البسطاء لم يع مما قال الرجل شيئا، وظل يشعر بذراع الجوع يلوي أمعاءه ليا. فانتصب على أطراف أصابعه حتى يراه هاتو، وصاح بأعلى صوته: "الطعام أولا."

غضب هاتو الثاني كثيرا من فظاظة الرجل، لكنه تمالك رباط زيه المقدس، وقال بأدب جم: "إلى البيدر." وما إن قالها حتى تحلقت حوله آلاف الأقدام وتنازعت مواقعها منه. وبعد دقائق معدودات، لم يجد الوافدون على بيدر الأمل موطئا لقدم. وبعد قليل، شاهد من بقي حيا من أهالي كوب ألسنة اللهب تتصاعد من بيدر هاتو، وشموا أبخرة الغدر تتصاعد مع رائحة من استجاروا من الرمضاء بالنار، فلم يبق منهم إلا ذكرى مؤلمة وبقايا متفحمة.

لا يعنينا هنا ما حل بهاتو الثاني بعدها، لأن ذلك لن يغير من أحزاننا على من رحلوا شيئا. فما معنى أن يعدم الرجل أو يصلب لتأكل الطير من رأسه؟ وهل يجفف ظمأنا للعدالة دماء التاريخ النازفة من جروح البسطاء؟ ماذا لو عرفنا أن نهاية الرجل كانت على يد بلطجي أو مرتزق؟ أو أن المنية قد وافته عام 913 على سرير من ريش النعام في دولة فر إليها ببضاعة مزجاة من آمال الفقراء ودمائهم؟

لا يحفظ التاريخ أحكام القضاء العادلة، ولا يهتم بتدوينها في سجله الكبير المليء بالمظالم والدموع والآلام. ولا تحفظ كتب التاريخ إلا أسماء الطغاة الذين يسرقون أرغفة الأمل من أيادي البسطاء. يقول التاريخ "ذهب حشد من البسطاء" دون أن يذكر ملامحهم أو يعلق على أزيائهم، لكنه حين يتحدث عن أحد الطغاة أو بعض المفسدين، فإنه يحتفظ بسجلاتهم كاملة مدعمة بالصور في أرشيفه غير المحايد وغير النزيه.

للبسطاء إذن تاريخ لم يدونه أحد، ولا يكترث لقراءته أحد، لأنهم مجرد كومبارس في بلاط الطغاة الذين يجيدون قنصهم بحيل شتى على مر العصور. ولا يمل التاريخ من تكرار فصوله، لكن أحدا من المتابعين لا يهتم باستنباط أحكامه واستكناه رؤاه.
اليوم يعود هاتو من أوراق تاريخنا الصفراء، ليعيد تمثيله بأحلام البسطاء الذين تحلقوا حول بابه ذات يأس ووثقوا بثيابه وتعابير وجهه. اليوم يخرج هاتو في زينته على قوم وجدوا أنفسهم على رصيف الحياة فجأة في انتظار ما لن بجيئ. اليوم يحرق هاتو البلاد بمن فيها وما فيها لينعم هو بالبقاء في قصر وسط الماء كما تقول الرواية المطعون في حياديتها.

يخرج هاتو على الجائعين إلى العدالة في بلاد امتلأت ظلما وجورا ممسكا في يمينه بوعود كاذبة ليتحلق حوله الواثقون بأجرانه المقدسة. وعندما يجتمع الحشد في بيدر الأمل، يخرج الرجل عود ثقاب ليشعل سيكارته المقدسة، ثم يلقي بمؤخرتها في بيدر تكدس فيه الواهمون من البسطاء. اليوم يقف المصريون ليشهدوا تاريخ حريق جديد في بيدر وحيد علقوا عليه ثياب آمالهم ليغرر بهم سفهاء التاريخ ويشعلوا النار في أجسادهم النحيلة وعروقهم الجافة البارزة. لكن أحدا من الرواة لن يذكر من وقفوا على أطراف أصابعهم ليرفعوا أصابعهم في وجه التاريخ ويفضحوا مؤامرته المتكررة.

عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات

السبت، 2 مارس 2013

بالوظة الرئاسة.. وحلاقة الاتحادية!


http://elraees.com/index.php/mian/files/item/2777
بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر *

كان الملاكم الشهير جو لويس يقود سيارته الصغيرة عائدا من وحدته العسكرية ذات حرب. وكان سيد الحلبات متعبا حد الإنهاك، ومرهقا حد الإعياء يمني أعصابه المتشنجة برقدة هانئة بعيدا عن صفارات الإنذار ودوي الانفجارات، لكن حظه العاثر طارده حتى آخر منعطف.

عند تقاطع مهجور، اصطدم العائد من الذكريات الدامية بإطارات شاحنة مسرعة دفعته من فوق قضبان الأحلام إلى رصيف الواقع. وعندها، أخرج سائق الشاحنة رأسه من إطار نافذته العالية ليلقي على لويس سيلا من الشتائم والسباب.

لم يفتح جو لويس العائد من الحرب الميدانية إلى الحرب النفسية فمه أو باب سيارته، وظل قابعا خلف إطار مقوده حتى انتهى الرجل من وصلة سبابه وانصرف حاملا غضبه. وبالقرب من حلبة الواقعة وقف أحد أصدقاء لويس ليشهد تصرف صديقه المخزي.

وحين التقى الصديقان، صاح الرجل في وجه لويس قائلا: "رأيتك وأنت تجلس كالهر المذعور خلف مقودك تتلقي سيل الإهانات دون أن تحرك ساكنا. لماذا لم تخرج من سيارتك وتجذب السائق من قفاه وتوسعه لكما وركلا؟ أكنت تخشاه؟" عندها ضحك جو لويس ملء خياشيمه وقال لصديقه:"وهل غنى المطرب كاروسو لمن أهانه وسبه؟"

كان جو لويس يدرك أن ميدان بطولته محاطا بزوايا الحلبة، وأن اللكمة في غير محلها إهانة لرجولته. كان بوسعه أن يتدرب في وجه السائق الصفيق وأن يصلح ما أفسده الشقاء في جمجمة الرجل وصلعته، لكنه كان يعلم أن البطولة الحقة تكمن في السيطرة لا في الفتونة، وأن ممارسة شعائر القسوة في غير محلها عربدة وبلطجة.

كان الرجل القادم من أتون الحرب الكونية الثانية يدرك الفرق بين رأس ورأس، ويعلم جيدا أن التصويب على أعين الرفاق يُكسب مجدا زائفا وعارا مجللا أبديا، لهذا كان يدخر بقايا لكماته لأعداء يعرف ملامحهم جيدا ويفرق بين وجوههم وقسمات مواطنيه الذين أفسد القهر والحزن ملامحهم.

لكن المواطنين العاديين جدا من أمثال رفيق لويس - وهم كثر - لا يميزون عادة بين خرائط الميلاد وخرائط الهدم، ولا يفرقون بين ساحات الحرب وساحات الجيران. كل الوجوه في عيونهم شواخص من ورق تستحق التصويب باللكمات والكلمات وما تيسر من خراطيش ومولوتوف. ولأنهم يمتلكون قبضات مغيبة، تراهم يهيمون في كل ناد يستعرضون سخافاتهم على كل رائح وغاد ويكتبون تاريخ الفشل بقبضاتهم المعقوفة كخناجر مسمومة تتجه دوما نحو صدور أبناء الهم الواحد والبؤس المشترك.

لكن هؤلاء للأسف أعلى صوتا وأكثر جلبة، وأقدر على تعطيل ترامات الأمل ومترو الأحلام. أما لويس وأمثاله، فهم محدودون بزوايا حلبة القيم، ويعرفون مدى قبضاتهم، ولا يحملون السلاح إلا عند جبهات القتال ولا يوجهون لكماتهم لسائق فقد سيطرته على مقوده ذات تعب، أو أخرج البؤس لسانه من غمده ذات غضب. هؤلاء حتما سيذكرهم التاريخ، لكنه لن يلتفت إليهم يقينا وهو يعد وليمة الحزن لأصحاب القبضات اليابسة.

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

في ملاعب السياسة


http://elraees.com/index.php/mian/writers/item/2547
بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر*

الانتخابات في عالمنا الثالث مسرحية هزلية لا تبدأ فصولها عند صناديق الاقتراع، ولا تنتهي بالفرز. فقبل ذلك وبعده، تكمن جملة من القفشات المضحكة المبكية. وبين الطوابير المعلقة في حلوق الشوارع وبصمات الثقة داخل مربعات الوهم تنتهك آلاف القصص قدسية المنطق، وتتجاوز المسموح به من الخبل.
إلى المضحكات المبكيات في بلاد ما وراء الوعي، أضاف رئيس وزراء كمبوديا نصا مغرقا في الهزلية والسخف. إذ قرر رجل الدولة الملهم ذات تأمل أن يؤجل الانتخابات التشريعية في بلاده ثلاثة أسابيع كاملة حتى يكتمل حاصل جمع أرقام تاريخ التصويت تسعة، لأن الرقم تسعة رقم سعده.
ويوم اعترض المراقبون على سير العملية الانتخابية لأنها لا تتوافق مع المعايير الدولية، رفع الرجل حاجبيه وصوب نحوهم سهام عينيه الغائرتين ليقول متهكما: "المعايير الدولية مكانها ملاعب الكرة لا ملاعب السياسة."   
المهم أن يجيد اللاعبون التصويب نحو الهدف وإقناع المواطن البسيط أن بينه وبين الجنة الموعودة بضع خطوات، وأن كل خطوة يخطوها نحو الصناديق تمحو خطايا سنة بعد عن كعبة الديمقراطية. المهم أن يحصد اللاعبون أكبر عدد من أصوات من لا ناقة لهم ولا جمل. المهم أن يقتنع الرجل البسيط بأن وقفته أمام صناديق الدجل فرض عين وأنها من أجل الحرية.
وفي بلادنا المقيمة في غياهب الفقر حد الاستبسال، يقدم الرجل صوته على طبق من ورق لكل من يدفع الثمن، وليس بالضرورة أن يكون زيتا أو أرزا كما يدعي فريق من فرق الزيف. فالطيبون في بلادنا تسيرهم العاطفة التي تتلاعب بها الخطب المنبرية والفضائيات الموجهة في ماراثون الكراهية والنبذ والعنف. وغالبا ما يقع المواطن المسكين ضحية لإحدى الحسنيين: الرغيف أو العاطفة.
ولا تنتهي الانتخابات في بلادنا كما تنتهي في بلاد الله طولا وعرضا بالفرز وإعلان النتائج، فلدينا جبهات عدة على الفائز بالانتخابات اجتيازها قبل أن يواجه حملات الحجارة والمولوتوف وأسراب المعارضين أمام عتبة بابه.
فهناك جبهة الإعلاميين التي تحولت في بلادنا بقدرة فاجر من بث الحدث إلى صناعته، ومن التعليق إلى التحقيق والرفض والإدانة. ناهيك عن جبهة القضاة الذين قرروا خلع حيادهم واصطفوا في تحد غير مسبوق لمعايير النزاهة الدولية - التي لم تعد موجودة في بلادنا حتى في ملاعب الكرة. أضف إلى ذلك كله جبهة السياسيين الذين يتحولون فجأة من صفوف المفسدين إلى صفوف المقاومة والممانعة دون أن يجرؤ أحد على انتقادهم وإلا اتهم بمعاداة الثورة السامية ونال من الثوار ما لا يتحمل لص في مولد.
في بلادنا، يسخر السياسيون من القانون ويهزؤون بالمنطق ويتنكرون لوعودهم الانتخابية كما تتنكر الساقطة لوليدها، ويديرون ظهورهم لمن تورمت أقدامهم في طوابير عبثية بحثا عن خرقة أمل تواري فظاظة الواقع الكئيب. في بلادنا، يسمي السياسيون الشوارع باسم خصيانهم، ويغيرون التقاويم لتناسب مواسم رعي ماشيتهم، ويغيرون مواعيد الانتخابات لتوافق أرقام حظهم. وفي بلادنا، يزداد الفقراء كل يوم فقرا، وينفقون ثمن قوت أولادهم على طباعة الاستمارات وشراء الأحبار التي لا تغير من الفقر شيئا. وفي بلادنا تتمرد ملاعب الكرة وملاعب السياسة على المعايير الدولية ليصبح العته سيد المنطق، وتصبح الصناديق حكما غير نزيه في ملاعب السياسة.

الأربعاء، 20 فبراير 2013

أنصاف رسائل

http://www.elraees.com/index.php/mian/writers/item/2387بقلم : عبد الرازق أحمد الشاعر
  
    استيقظ الإنجليز ذات شعاع من صباح عام 1815 على نبإ مرعب بثته الإذاعة البريطانية عن سير المعارك في ووترلو. لم يصدق الناس أثيرهم وهاموا في الشوارع بحثا عن أي مسئول ينفي ولو كذبا نبأ هزيمة ولنجتون هناك. لكن الهم كاد يقتلهم حين شاهدوا أعلامهم المنكسة فوق مؤسسات حكومتهم، ورأوا نظرة الانكسار في عيون قادتهم.
لم يكن لدى أحدهم هاتف جوال يطمئن به على لابسي الخوذات من ذوي القربي عند ووترلو، ولم تكن ثمة أقمار صناعية تبث الدخان المتصاعد من الجثث المتفحمة هناك. فقد جاءهم الخبر الصاعقة مشفرا بدقات مورس، وبثه صوت متهدج في كلمتين حازمتين: "هزم ولنجتون ..."
لكن ثقل الهزيمة لا يقاس بعدد الحروف كما يعرف محترفو الهزائم في شرقنا البائس، فقد تكفلت تلك الرسالة المقتضبة بإشعال الحرائق في كل قلب، وتقاسم الإنجليز شهقاتهم في كافة الميادين، وخزن كل بيت ما يكفيه من الحزن أشهرا.
وبعد أن حبس الإنجليز أنفاسهم في دكاكين الرعب ساعات كئيبة، عادوا ليتنفسوا الصعداء بعد أن تبين لهم أن الضباب الكثيف حجب نصف الرسالة السعيد: "... نابليون في ووترلو."
هكذا تعبث الروايات المبتورة بعصبيتنا وأحلامنا العريضة، وتزرع بين صدر الرسالة وعجزها فدادين من المشاعر المختلطة والأحاسيس المتضاربة. شتان بين النصر والهزيمة في عرف المتحاربين، لكن الرسائل الباردة تعامل الحروف في حيادية باهتة، فلا تميز بين وطنية وتبعية أو بين خائن وثائر.
وقد اكتشف أثر الرسائل المبتورة على الصدور المتحفزة محترفو التزوير الفضائي من أبناء العم سام، فاستخدموه أبشع استخدام وروجوا لفتنته في فضائياتهم التي تتحدث العربية وتنطق بلسان عبري مبين. فكانوا أصابع مورس وضبابه، لهذا سمحوا لنا بقراءة أنصاف الرسائل كي نفرح أو نحزن أو نثور أو نهدأ، وتحكموا في فصولنا، فجعلوها ربيعا كلها، ثم أسروا للراقصين حول جثث الرفاق بنصف الرسالة الحزين. وفجأة تحولت شوارعنا الربيعية جدا إلى عواصف خريفية لا تبقي ولا تذر، تكنس الشوارع والشباب والشجر.
بضغطة زر لم تكتمل عمدا، فرح الناس وهللوا، لأنهم لم يعرفوا أثر الضباب المتصاعد من آلة الحقد على أفهام الطيبين، ولم يعرفوا أن الحرب العقائدية قد استعرت، وأنهم حطبها والسعير، فذهبوا إليها لاهية قلوبهم يتأبطون ذراعا نصفه حرية.
بدأت الحرب في شوارعنا أيها الطيبون بضغطة زر من قناة مورس التي أنتجت وأنضجت نصف رسالة نيء لا يستطيع التاريخ هضمه، وحركت كاميراتها لترصد دقات قلوبنا وما تفعله بنا رسائلهم المبتورة عن نية وسوء طوية. لكن الرسالة التي كشفت عن بعض ساقها اليوم ستبدو يوما أكثر فظاظة حين يكتشف الناس في بلادي أنهم كانوا ضحايا ضباب إعلامي أسقط نصف رسالته وتركنا في ظلمات الخديعة نتلظي بربيعنا العبثي.