جريدة الرئيس - جريدة الرئيس - سياسه

جريدة الرئيس - جريدة الرئيس - اقتصاد

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

والله زمان يامصر .. وحشتيني يابلدى ياحلوة - 7


http://elraees.com/index.php/mian/writers/item/2548
بقلم اللواء : نبيل أبو النجا *

عقب نكسة الخامس من يونيو العام 1967, شعرنا جميعا بالخزي والعار الذي لحق بأمنا الغالية مصر, وكنت شأني شأن سائر زملائي في وحدات الصاعقة لا أستطع أن أرفع رأسي وأنا أسير وسط الناس وكانت عيني دائما في الأرض, هذه الأرض التي فرطنا في عرضها وشرفها ودنسها الصهاينة بأقدامهم بينما كانت أنفاسهم مثل فحيح الأفاعي التي تنشر السم لتلوث نسيم أزهار الوطن الحبيب, لقد كنت أبدل ملابسي العسكرية بملابس مدنية في أجازتي الميدانية حتى لا يعرف أحد أنني ضابط في القوات المسلحة, أقصد التي كانت مسلحة وأصبحت مدمرة ومنهزمة من شرذمة من الصهاينة نجحت في وضع رأس مصر في الوحل, مصر الأهرامات وأبي الهول والأزهر الشريف.
استقليت سيارة الأتوبيس من إنشاص في طريقي لبلدتي ميت غمر عن طريق الزقازيق, ولم أكد أشق طريقي تجاه مقعدي حتى سمعت شابا يقول لصديقه الجالس بجواره "ياخويا لما هوه جته كده وطويل وعريض وعضلات, مايودوه سوريا علشان وهوه راجع يجري يمكن يعدي على فلسطين يمكن يحررها...هاهاها" وضحك الجميع على حالي وبكى قلبي من اللوعة والحزن والأسى, لقد عرفوا أنني فدائي من فدائي الصاعقة لأنني كنت أحلق رأسي زيرو ويبدو من مظهرى الحزن وتحمل المسئولية رغم ارتدائي الزي المدني.
جلست, كلا لم استطع الجلوس وطلبت من السائق السماح لي بالنزول وقال لي انتظر المحطة القادمة فرجوته النزول في أي مكان لأنني كدت اختنق وصدى صوت الشاب يتردد في أذني وأنا أتخيل الصهاينة وهم يعربدون في أرضنا في سيناء الحبيبة وأنا في طريقي للمنزل كى آكل وأشرب وأنام, هل هذا معقول؟ هل هم رجال ونحن غير ذلك؟ والله خسارة فينا الأكل والشرب.
بمجرد نزولي من الأتوبيس توقف صاحب سيارة ملاكي ومعه زوجته وطفلتين في حدود السابعة والخامسة من العمر وسألني عن طريق بلبيس فأرشدته وقال لي انت رايح فين؟ قلت له ميت غمر, ضحك وقال لي أنا الصيدلي سعد عبد المجيد من ميت غمر وأنا في طريقي للبلدة فهل تسمح لي أن أصحبك؟ ترددت لأن معه زوجته ولكنها بإنسانية شديدة قالت اتفضل ياكابتن!! وذهلت من المفاجأة فقد كانت زميلة أختي الكبيرة في مدرسة المعلمات بميت غمر وأعرفها جيدا واعرف عائلتها حيث كان فؤاد الأخ الأصغر لها زميلي وهو الآن طيار حربي يطير على الميج 17, حمدت الله على هذه الصحبة وهون ذلك على الكثير وشعرت أن مصر لم تنهار ومازال بها أناس يؤمنون بأن ماحدث سوف يشد من أزرنا وسوف نسترد أرضنا وعرضنا بالعمل الجاد وقبله بالثقة في الله تعالى ثم في أنفسنا فنحن خير أجناد الأرض.
دخلت على ست الحبايب حيث لم أرها منذ مايو 1967 ونحن الآن في ديسمبر من نفس العام أي قرابة سبعة أشهر, وكنت أنا آخر العنقود المكون من عشرة (أربعة ذكور وست إناث), وطبعا كانت أمي تحتفظ في الثلاجة (ثلاجة بدائية عبارة عن سربنتينه
"مواسير" ويوضع عليها الثلج ملفوفا في الخيش) بورك بطه وصدر وزه وحتتين كبده وقوانص وكل مااشتهيه حتى احضر, ولم لا وأنا آخر العنقود المدلل وكنت أحضنها وأشيلها من على الأرض وهى قصيرة وصغيرة وأنا ضابط صاعقة طولي متران وعريض وكانت كالدمية بين يدى, كنت أشتاق لها فهى الصدر الحنون والملاذ الآمن بعد غدر الزمان بنا ووقوع كارثة النكسة المروعة.
كنت أنوي أن أحدثها ولكن بعد أن أحضنها وأشيلها من على الأرض كعادتي, ولكنني صدمت حينما ابعدتني وقالت لي في نبرة كلها عتاب ولوم "خسرت البطن اللي جابتك, هوه انت موش راجل, روح رجع أرضك من الصهاينة وبعدين تعالى كل, روح موش عايزه أشوفك تاني", وقعت على هذه الكلمات وقع الصدمة التي أخرست لساني وكان معي حقيبتي بها ملابسي التي أريد تنظيفها فحملتها ثانية ولم أتفوه ببنت شفه حيث شل لساني وانهدم كياني وبكت كل قطرة في دمي وانتصبت كل شعرة في جسدي من عتاب ست الحبايب ولم أرتمي في حضنها ولم أهنأ بوضع رأسي على صدرها حتى أزيح كابوس النكسة الجاثم على أنفاسي, وانصرفت سريعا وأنا لا أعرف البكاء لكني أقسمت أن لن أعود حتى نسترد الأرض والعرض.
عدت إلى مدرسة الصاعقة في إنشاص حيث عملي كمدرب في مدرسة الصاعقة أو عرين الأسود كما يطلقون عليه في الجيش, ووجدت معظم زملائي في نفس ظروفي وقررنا جميعا عدم نزول إجازات حتى نحرر الأرض من الصهاينة ونرفع رأس مصر عاليا.
والله زمان يامصر...وحشتيني يابلدي ياحلوة...ياأحلى بلاد الدنيا...وسامحينا يامصر...احنا وحشين ومانستاهلكيش وانت الحلوة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق